غابي أيوب / الشمال الثالثة: معركة تكسير العظام في “عرين الموارنة”
الكاتب : غابي ايوب
خاص المرصد اونلاين
في دائرة الشمال الثالثة (بشري، زغرتا، الكورة، والبترون)، تدخل القوى السياسية انتخابات 2026 وهي في أخطر لحظة إنكار جماعي. القانون الانتخابي لم يتغيّر، لكن بيئة الفوز تبدّلت جذريًا، ومن لا يفهم ذلك اليوم سيُقصى غدًا بلا صخب. هذه ليست معركة برامج، بل اختبار قاسٍ لمن يعرف كيف تُصنع الحواصل في دائرة تضم أقطاباً رئاسيين، ومن يكتفي بالضجيج.
في 2022، استفادت القوات اللبنانية من لحظة استثنائية؛ تصويت اغترابي كثيف وعقابي فتح لها نافذة للاكتساح. لكن الحواصل في هذه الدائرة “الحديدية” ليست فائضة. أي تراجع في حماس المغتربين أو خلل في توزيع الأصوات التفضيلية، يعني فقدان مقاعد وازنة. التعامل مع نتائج الماضي كضمانة للمستقبل هو قراءة مضلّلة في دائرة لا تغفر الأخطاء الحسابية.
أما النائب ميشال معوض، فيدخل استحقاق 2026 وهو يدرك تماماً أنه لم يعد مجرد طرف محلي في زغرتا، بل تحول إلى ركيزة في المحور السيادي. نجاح معوض في 2022 لم يكن صدفة، بل نتيجة قدرة على الجمع بين “العصب الزغرتاوي” والخطاب الوطني العابر للأقضية. التحدي أمام معوض اليوم هو في كسر “سقف الحاصل الواحد” والقدرة على تأمين استمرارية تحالفاته في الكورة والبترون. بالنسبة له، المعركة ليست مجرد الحفاظ على مقعده، بل في إثبات أن “حركة الاستقلال” قادرة على إدارة ماكينة انتخابية عابرة للحدود المناطقية، وأي استرخاء في التنظيم قد يجعله عرضة لضغط الحلفاء والخصوم على حد سواء.
على مجموعات التغيير مواجهة الحقيقة المؤلمة؛ خرق 2022 كان ثمرة تقاطع غضب شعبي مع تضعضع اللوائح التقليدية. اليوم، في قانون لا يعترف إلا بالحاصل، تشتت الأصوات بين عدة لوائح “تغييرية” هو مسار إقصاء ذاتي. آلاف الأصوات في الكورة أو البترون ستذوب في الصفر إذا لم تبلغ اللائحة العتبة، ومن يرفض التوحّد يمارس الخداع السياسي بحق جمهوره.
في المقابل، يدخل تيار المردة وحلفاؤه الاستحقاق بهدوء وثبات. لا يعتمدون على الشعارات الرنانة، بل على ماكينات انتخابية تقليدية صلبة وقواعد خدماتية تعرف طريقها جيدًا إلى صناديق الاقتراع في زغرتا والكورة. هذا توصيف واقعي لا موقف سياسي؛ فمن يمتلك “الأرض” يمتلك الحاصل، ومن يستهين بقدرة القوى التقليدية على إعادة تجميع صفوفها يرتكب خطأً استراتيجيًا.
أما التيار الوطني الحر، فهو يخوض معركة “ردّ اعتبار” وجودية، خاصة في البترون. من يظن أن استعادة الهيبة ممكنة دون مراجعة عميقة وتحالفات ذكية تتجاوز الخصومات القديمة، فهو يراكم الخسارة. التيار أمام تحدي إثبات أن قدرته على الحشد لم تتبخر تحت وطأة الأزمات.
وسط هذا الصراع، يُساء أحياناً استخدام الصوت السُّنّي في الكورة والصوت القومي. يُطلب منهم أن يكونوا “رافعات” للحواصل، لكن نادرًا ما يُعاملون كشركاء. القوة التجييرية في هذه المكونات قادرة على قلب الطاولة، والذكاء يكمن في كيفية تموضع هذه الأصوات لتكون شريكاً فعلياً لا مجرد ملحق انتخابي.
اليوم وقبل أشهر من الاستحقاق، الرسالة للجميع: المال لا يصنع ثلاثة حواصل، والخطاب العاطفي لا يعوّض غياب الماكينة. من يدخل انتخابات 2026 بلا تحالف مدروس يجمع بين القوة المناطقية (مثل حالة معوض في زغرتا) والتمدد الحزبي، سيُقصى بهدوء.
هذه ليست معركة مظلوميات، بل امتحان لمن يتقن الحساب. في الشمال الثالثة، لا مكان للرماديات؛ إما قراءة دقيقة للأرقام وبناء تحالفات صلبة، وإما خروج صامت من الندوة البرلمانية.


